السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

234

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

تحترق ، وروائح دماغه تفوح ، وهو يمضغ ورق التانبول « 1 » وحبّ الفوفل . فإذا طاف في الأسواق وانتهى إلى تلك النار وهو غير مكترث لا يتغيّر في مشيته ، فمنهم من إذا أشرف على النار وقد صارت جمرا كالتلّ العظيم تناول بيده خنجرا فيضعه في لبّته . قال : وقد حضرت ببلاد صيمور من بلاد الهند سنة أربع وثلاثمائة فرأيت رجلا من فتيانهم وقد طاف على ما وصفنا في أسواقهم ، فلما دنا من النار أخذ الخنجر فوضعه على فؤاده فشقّه ثم أدخل يده الشمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلم ، فقطع منها قطعة بالخنجر فدفعها إلى بعض أخوته تهاونا بالموت ، ولذّة بالنقلة ، ثم هوى بنفسه في الناء . وإذا مات الملك من ملوكهم أو قتل ، حرق كثير من الناس أنفسهم لموته . وللهند أخبار عجيبة تجزع من سماعها النفوس ، وأنواع المقاتل تألم عند ذكرها الأبدان وتقشعر منها الأبشار . وذكر أن الأغلب عليهم في لعبهم القمار بالشطرنج والنرد على الثياب والجوهر ، وربّما أنفذ الواحد ما معه فيلعب على قطع عضو من أعضاء جسمه ، وهو أن يحضر لهم قدر من النحاس صغير على نار فحم فيها دهن لهم أحمر ، فيغلي ذلك الدهن ، وهو دهن مدمل للجراح وماسك لسيلان الدم ، ويجمعون خنجرا . فإذا لعب في أصبع من أصابعه وقمر قطعها بذلك الخنجر وهو مثل النار ، ثم غمس يده في ذلك الدهن فكواها ثم عاد إلى لعبه . فإن توجه عليه اللعب في قطع الأصابع والكفّ ثم الذراع والزند وسائر الأطراف وكل ذلك يستعمل فيه الكيّ بذلك الدهن وهو دهن عجيب يعمل من أخلاط وعقاقير بأرض الهند ، وهو عجيب المعنى لما ذكرنا ، وما ذكرناه عنهم مستفيض من فعلهم . قلت : أمّا أنواع تعذيبهم لأنفسهم فباق إلى زماننا هذا ، فمن ذلك أنه إذا

--> ( 1 ) التانبول ، والتامول : ضرب من اليقطين ، طعم ورقة كالقرنفل . يمضغونه بقليل من الكلس ، ويغلب استعماله في الهند واليمن والحجاز .